ابن عربي
24
ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق
أي : لا أتصل بالمنزه إلا على البسيط المشاكل الذاتي والحقيقي ، فإن مرتبة التدبير لي وصف لازم لا يصح مفارقته لكوني على الصورة الإلهية والرحمانية مخلوق ، كما أنّ الألوهية نعت لازم للحق سبحانه ، وإذا كان الأمر هكذا فالشوق جهل لهذا المقام ، فإنه لا يحصل ، لكن الشوق للمحبة وصف لازم تابع لها وهو مؤمن حكمها فلهذا لا تنفك عنه مع العلم بأن المشتاق إليه لا يقع به وصلة فهو غير نافع . ما صنيعي ما احتيالي دلّني * يا عذولي لا ترعني بالملام أقسم باللّه بالنفس اللوامة ، غير أن اللوم المقصود في هذا البيت من هذا اللائم ليس هو حال بعينه ، وأيضا المحبّ أي اسم تعلق به وحن إليه ، وأي عالم وجد عذولا في نفسه يعدله عن تعلقه ، ويدعوه إلى جنابه ، وذلك أنه لما كان مجموع العلم والحضرة الإلهية صار كل جزء منه وكل حقيقة تطلب مناسبها أن تتصل به وتعذله أن لا ينظر إلى غيرها بحكم الميل والإشارة ، والعارف لا يخلو عن ميل فلا يخلو عن عاذل دائما أبدا . زفرات قد تعالت صعّدا * ودموع فوق خدّيّ سجام يقول : إنّ النيران الشوقية تعالت نحو عنصرها الذي هو الشوق الأعظم الموصوف به الجناب العالي كالمحبة منا تطلب المحبة الإلهية من قوله : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [ المائدة : 54 ] ، فحبنا نتيجة عن حبّه ، يقول : إنّ سر الحياة الذي هو الماء تختلف عليه الأسماء والأحكام باختلاف محله ، فيسمى في العين دمعا وفي الفم ريقا وفي المعى بولا ؛ فقال : إنّ هذا السر ظهر في العين بحكم ما في النفس من ألم البعد ووجود الصدّ والهجران الذي هو نعت لازم كما ذكرناه ، فكان فيه حرارة لأن زفرات الأشواق التي هي أصوات نيرانها سخنة وظهوره للعين تظهر له لملاحظة الأغيار إذ كان ينبغي له أن لا ينظر إلى غير محبوبه إلى أن يغلب عليه مقام نظره بعين اللّه أو مقام رؤية اللّه في كل شيء فحينئذ يرتفع عنه البكاء والزفرات لهذا المشهد الكريم وهو الغاية التي يصل إليها العارف . ومن هذا المقام قال عيسى عليه السلام : وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ [ مريم : 33 ] فكان أكمل في الوصلة ممن قيل عنه : وسلام عليه يوم ولد وهو يحيى ؛ فهذا مقام أول لهذا المقام الثاني العالي فإن يحيى من الحياة وهي المسخرة لعيسى عليه السلام فإنه كان يحيي الموتى ، فلهذا قلنا فيه : إنه أعلى في قوله : « والسلام عليّ » ، فافهم . حنّت العيس إلى أوطانها * من وجيز « 1 » السير حنين المستهام ما حياتي بعدهم إلا الفنا * فعليها وعلى الصبر سلام يقول : إنّ الأعمال التي يصعد عليها الكلم الطيب إلى المستوى الأعلى يقول :
--> ( 1 ) في نسخة أخرى : وجى .